أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

215

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله تعالى : قَرْحٌ : قرأ الأخوان وأبو بكر : « قرح » بضم القاف ، وكذلك « القرح » معرّفا ، والباقون بالفتح فيهما ، فقيل : هما بمعنى واحد . ثم اختلف القائلون بهذا فقال بعضهم : « المراد بهما الجرح نفسه » . وقال بعضهم : - منهم الأخفش - المراد بهما المصدر . يقال قرح الجرح يقرح قرحا وقرحا . قال امرؤ القيس : 1445 - وبدّلت قرحا داميا بعد صحّة * لعلّ منايانا تحوّلن أبؤسا « 1 » والفتح لغة الحجاز ، والضمّ لغة غيرهم فهما كالضّعف والضّعف والكره والكره . وقال بعضهم : « المفتوح : الجرح ، والمضموم : ألمه » . وقرأ ابن السّميفع بفتح القاف والراء وهي لغة كالطّرد والطّرد . وقال أبو البقاء : « هو مصدر قرح يقرح إذا صار له قرحة ، وهو بمعنى دمي . وقرىء « قرح » بضمّهما . قيل : وذلك على الاتباع كاليسر واليسر والطّنب والطّنب . وقرأ الأعمش : « إن تمسسكم » بالتاء من فوق ، « قروح » بصيغة الجمع ، والتأنيث واضح . وأصل المادة الدلالة على الخلوص ومنه : الماء القراح أي : لا كدورة فيه ، قال : 1446 - فساغ لي الشّراب وكنت قبلا * أكاد أغصّ بالماء القراح « 2 » وأرض قرحة أي : خالصة الطين ومنه : قريحة الرجل لخالص طبعه . وقال الراغب : « القرح : الأثر من الجراحة ، من شيء يصيبه من خارج ، والقرح - يعني بالضم - أثرها من داخل كالبثرة ونحوها ، يقال : قرحته نحو : جرحته . قال الشاعر : 1447 - لا يسلمون قريحا حلّ وسطهم * يوم اللّقاء ولا يشوون من قرحوا « 3 » أي : جرحوا . وقرح : خرج به قرح ، وقرح اللّه قلبه وأقرحه - يعني : ففعل وأفعل فيه بمعنى - وفرس قارح : إذا أصابه أثر من ظهور نابه ، والأنثى : قارحة ، وروضة قرحاء إذا كان في وسطها نور ، وذلك تشبيه بالفرس القرحاء . والاقتراح : الابتداع والابتكار ، ومنه قالوا : اقترح عليه فلان كذا ، واقترحت بئرا : استخرجت منها ماء قراحا ، والقريحة في الأصل : المكان الذي يجتمع فيه الماء المستنبط ، ومنه استعيرت قريحة الإنسان » . قوله : فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ للنحويين في مثل هذا تأويل وهو أن يقدّروا شيئا مستقبلا ، لأنه لا يكون التعليق إلا في المستقبل ، وقوله « فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ » ماض محقق ، وذلك التأويل هو التبيين : فقد تبيّن مسّ القرح للقوم ، وسيأتي له نظائر نحو : إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ « 4 » . وقال بعضهم « وجواب الشرط محذوف تقديره : « فتأسّوا » ونحو ذلك . وقال الشيخ « 5 » : « من جعل جواب الشرط « فَقَدْ مَسَّ » فهو ذاهل » . قلت : غالب النحاة جعلوه جوابا متأوّلين له بما ذكرت . قوله : وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها يجوز في « الْأَيَّامُ » أن تكون خبرا ل « تِلْكَ » . و « نُداوِلُها » جملة حالية العامل فيها

--> ( 1 ) انظر البيت في ديوانه ( 107 ) ، الهمع 1 / 112 ، الدرر 1 / 83 . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) البيت للمتنخل الهذلي انظر ديوان الهذليين 2 / 32 ، اللسان ( قرح ) . ( 4 ) سورة يوسف ، آية ( 26 ) . ( 5 ) انظر البحر المحيط 3 / 62 .